وجه الحقيقة – رواية قصيرة حقيقية



في أحد الساحات الكبيرة الفارغة التي يقطنها الكثير من الظلال ، في معظمها تعود لأشخاص يتجولون بحراك مستمر والقلة القليلة منها للبائعين تكاد تبقى في مكانها ، كان الأمر يبدو من بعيد كأنه نمل كثير يحاول الانتظام ، ومن قريب كأنه أجساد تائهة تتجول بعينيها بحثا عن شيء في جعبتها أو تبحث عن لا شيء ، في هذا المكان كنت شخصا تائها يوما أبحث عن لا شيء.

وجه الحقيقة - رواية قصيرة وعبرة

لم يصدق أحد أني أذهب لذلك السوق لأبحث عن لاشيء ، لكنهم يفعلون ذلك بأنفسهم ، لا يصدق أحد أني أتجول بنفس الطريق بالسوق لثلاث مرات أحيانا دون أن يكون قد جذب انتباهي شيء هناك ، ولكنهم يقومون بذلك ، فتركت لهم ما يفعلون ولا يصدقون الناس بها لأبحث عن أشيائي وعاداتي التي أصدقها بنفسي ، لأني أرى النفوس تتغير بمجرد فكرة وتتقلب في كلمة ولحظة ، فقررت البحث عن وجه الحقيقة للحياة.

في ذلك السوق كانت بداية رحلة اختصرت من حياتي سنين ، لم تكن رحلتي شاقة ولا بعيدة وكذلك لم تكن عابرة ، بدأت رؤيتي لسيدة عجوز تجلس مستندة على عمود الإنارة بظهرها وفي أمامها القليل من الأشياء الرخيصة الثمن ، أما أنا كنت بالكاد قد تخرجت من الجامعة وأبحث في الحياة عن أمل ، فنظرت لتلك السيدة فلم أجدها ترفع برأسها لتنظر في وجوه الناس كالباقين ، ولا تلتفت لا للشمال ولا لليمين ، بل تنظر لأشيائها التي أمامها وأنا أعتقد أنها لم تكن تراها  من تقلب ما يدور في فكرها.

لو كان شخص آخر مكاني لمضى في طريقه ولم يكترث لبائعة بسيطة كهذه ، ليس الأمر متعلق بمجرد الشراء منها ولا بطريقة العرض والترتيب لأشيائها ، لكن الأمر كان بنظرتي للأشخاص جميعهم في ذلك الموقف ، فأنا كنت في ذلك الوقت غير ميسور الحال تماما ، وقد تجولت خلال ساعة واحدة من نفس الطريق لمرات عديدة وهي بنفس الحال ، لكنها في المرة الثالثة رفعت رأسها لتنظر إلي رغم أني لم أتوقف عن المشي أمامها في أي مرة ، فعلمت بعد ذلك منها أنها كانت تحفظ شكل الأقدام للمارة من أمامها.

توقفت وقتها واستأذنتها أن أجلس جانبها بضع دقائق ، فهي ليست متسولة تنادي على المارة بالصدقات ، كما أنها لا تطلب بصوتها من أحد الشراء منها أبدا ، وبالأساس هي لا تنظر للوجوه ، لكنها عندما نظرت لي أحسست بملامح جدتي في وجهها ، فوافقت تلك السيدة أن أجلس بجانبها وبدأت في حراكها لكي تفسح لي مكان على قطعة من الكرتون التي تفترشها على الأرض ، وجلست وبدأ حواري معها بكل هدوء ونبرات هادئة ..

  • أسعد الله صباحك جدتي ، كيف حالك اليوم.
    أهلا بك يا ابني وأسعد صباحك ، هل بإمكاني أن أخدمك بشيء.
  •  نعم فقط بشيء واحد أو بالأحرى سؤال واحد ! ( ولم انتظرها لكي توافق أو ترفض طلبي بل أكملت ) .. لماذا نظرتي اللي رغم أني لساعة كاملة أتجول حول المكان ولم ترفعي رأسك في أحد إلا أنا ؟ ، أجيبيني على سؤالي وسأرحل فورا فإنا لست ممن يضايق أحد وقتا طويلا.
    اجلس يا بني بقدر ما تريد فهذا المكان ليس ملك لي ، ثم أن الجميع يسألني أين أولادك عنك ؟ يسألونني ماذا تكسبين من هذه المهنة لكي تقضي يومك في هذا البيع ؟ يسألونني ما بقي في عمرك كي تعملين هكذا وتذهبين وتأتين كل يوم ؟ أما أنت فسؤالك غريب.

فأردت استئذانها للمغادرة لأني شعرت بأنها بدأ يضيق صدرها من كثرة سؤال الناس لها ولا أريد أن أكون المكمل لذلك، لكنها قالت ابق جالسا لأني سأخبرك وسأجيبك.
قالت لي بأنها تعمل ذلك في السوق عندما كانت تبيع مع أمها الملابس بعد أن غادرهم أبيها للحياة الآخرة ، وحرمت من العلم والتعلم وبقيت في هذا السوق ، حتى أصبحت تعرف الأشخاص من حركة أقدامهم ، من هم في مهل من أمرهم ومن هم في عجل ومن هم في حيرة من طريقة حركة أقدامهم في السير ، لأن كل الأغراض قديما كانت تعرض على الأرض لبيعها ، ولم تكن النساء ترفع رأسها إلا لمشتري قد آتى ، وأكملت : فكنا نعتمد على حركة الأقدام.

فتسارعت في الحديث معها بأني أود الذهاب حتى لا أزعجها إن كان الأمر يذكرها بأمور كانت تحزنها ، لكنها أوقفتني عن الحديث وأرادت أن تكمل لي ما تود قوله.
فقالت بأنها مسرورة في هذا المكان وبيعها ، ليس من أجل كسب المال بل من أجل أنها تقضي أسعد أوقاتها هنا ، حيث تأنس بالبشر دون أن تكترث بوجودهم أو يكترثوا هم بذلك ، لأن الفراغ الذي ملأ حياتها أصبحت تعوضه بالضجيج حولها بديلا عن السكون القاتل ، أخبرتني بأنها تملك المال ولا زالت لكنها لم تملك الأبناء بحياتها بقدر من الله وأنه قد توفي زوجها العجوز قبل أعوام وأصبح بيتها البسيط كزنزانة الأسير الصغيرة رغم اتساع مساحته.

The face of truth وجه الحقيقة

لكنها بعد أن أكملت لي قصتها التي عبرت فيها عن سرورها لشخص يسمعها وتحاوره ، عن حبها لأن في هذا العالم من لا يزال يستمع دون أن يقاطع كثيرا لينتقد أو ليفرض نفسه أو ليعرب عن عدم رضاه أو لسخريته ، وشارف وقتي على الانتهاء في ذلك المكان حتى أخرجت لي تلك العجوز ما غير حياتي من الكلمات لكي أصل بالتدريج لما أنا عليه الآن بعد حمد الله وشكره ، وما أوصلني للحرية وما جعلني أتقدم في خطوات ثابتة رغم كثيرون هم من يحاولون إرباك العالم بأسره ، فقالت لي ..

يا بني ابحث عن نفسك دون إيذاء الآخرين ، وابحث عن سعادتك دون أن تسرق سعادة أحد  ، ازرع الجمال بنفسك كي تحيا به مهما كانت الظروف ومها كان رأي من يخالفك ما دامت غير مخطئ بحق شيء ، فكلنا نحارب ونقاتل الحزن واليأس في حياتنا من أجل أن نصل للموت بسلام.

فعلمت من وقتها أن للحقيقة وجه واحد ونهاية واحدة للجميع ، وأن نصف الحقيقة تنبض بداخلي وتتحرك بطريقة فكري ونصفها الآخر في ابتسامة السرور على وجهي ، ورحم الله تلك الجدة أكانت حية أم ميتة لأني لم أقابلها بعدها مرة ثانية، فلا يعلم وجه الحقيقة إلا من اقترب للنهاية.

عبدالله الصادي  12-9-2018


Ads
مواضيع متعلقة
التعليقات
  1. yousra:

    اعجبني تفسر الاحلام شكرا

لن يتم نشر بريدك الالتروني للعامة ، الحقول المطلوبة معلمة بالعلامة '*'

*

مواضيع عامة منوعة